قبل عام، وضعت الإدارة الأمريكية الجديدة خطة اقتصادية طموحة تُعرف بخطة "3-3-3" وتهدف إلى تحقيق نمو في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 3%، وتخفيض العجز المالي إلى نسبة 3%، وزيادة إنتاج الطاقة المحلية بمقدار 3 مليون برميل يومياً بحلول عام 2028. وفي ذلك الوقت، قمنا بتقييم إمكانية تحقيق هذه الأهداف في ظل قوة الأداء الاقتصادي، والقيود المالية الأكثر صرامة، ونضوج قطاع الطاقة. ومع دخولنا عام 2026، يمكن الآن تقييم النتائج الأولية للخطة وتحديد ما إذا كانت الولايات المتحدة تسير على الطريق الصحيح لتحقيق وعودها.
بشكل عام، تبدو النتائج متباينة، فقد كان أداء النمو أكثر مرونة مما كان متوقعاً، وهناك تعثر واضح في تحقيق الهدف المرتبط بخفض العجز المالي، أما الهدف المتعلق بالطاقة، فقد شهد تطورات أكثر تعقيداً وغير مباشرة مقارنة بما تشير إليه المقاييس المبسطة.
تباطأ نمو الاقتصاد الأمريكي خلال عام 2025، لكن وتيرة التباطؤ كانت أقل حدة بكثير مما كان متوقعاً في البداية. ويُعد هذا الأمر جديراً بالاهتمام، لا سيما في ظل الصدمة السلبية الكبيرة المتوقعة نتيجة للرسوم الجمركية المرتفعة التي فُرضت بعد ما يُسمى بـ "يوم التحرير"، والتي أثرت سلباً على المعنويات، ولكن حتى الآن، ثبت أن تأثيرها محدود على كل من التضخم والنمو. فعلى الرغم من هذه التحديات، لم يشهد الاقتصاد حالة من التباطؤ الأكثر حدة، حيث استقر النمو عند مستوى أقل من الاتجاه المعتاد، ولكنه ظل إيجابياً عند ما يقارب 2%.
وتُفسر عدة عوامل هذه المرونة. فقد ظل استهلاك الأسر مدعوماً بميزانياتها العمومية القوية بفضل ارتفاع أسعار الأصول، مما خفف من أثر التضخم. علاوة على ذلك، تم تخفيف السياسة النقدية التقييدية وبدأت تتحول إلى سياسة محايدة، مما أدى إلى خفض تكاليف الاقتراض وتيسير الأوضاع المالية حتى أواخر عام 2025. وقد ساعد هذا التحول على استقرار ديناميكيات الاستثمار والائتمان، مما حدّ من مخاطر تراجع النشاط الاقتصادي. والأهم من ذلك، ظلت أسس الدورة الاستثمارية الجديدة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي تتعزز. فالنفقات الرأسمالية الضخمة التي تخصصها الشركات الأمريكية العملاقة لمراكز البيانات وأشباه الموصلات والبنية التحتية الرقمية تؤدي إلى زيادة في رأس المال المعزز للإنتاجية. وبينما سيستغرق ظهور الأثر الاقتصادي الكلي لتبني الذكاء الاصطناعي وقتاً، فإن الاتجاه العام واضح.
تشير هذه العوامل مجتمعة إلى أن الولايات المتحدة لا تزال تسير على المسار الصحيح لتحقيق هدف النمو البالغ 3% خلال السنوات القادمة، على الرغم من التباطؤ الأخير.
وفي حين يبشر النمو بتفاؤل حذر، فإن السياسة المالية تشير إلى عكس ذلك. فقد ثبت أن هدف تضييق العجز الفيدرالي إلى 3% من الناتج المحلي الإجمالي غير قابل للتحقيق في السنة الأولى من الخطة. وبدلاً من ذلك، لا تزال معدلات العجز مرتفعة، مما يعكس مزيجاً من استمرار تأثير ضغوط الإنفاق، وتمديد الإعفاءات الضريبية، والقيود السياسية على إمكانية تحقيق ضبط حقيقي.
كان إنشاء وزارة الكفاءة الحكومية (DOGE)، بقيادة إيلون ماسك آنذاك، ركيزة أساسية في الاستراتيجية الأولية للإدارة الأمريكية، حيث كُلفت الوزارة بتحديد أوجه الهدر، وتحسين عمليات الشراء، وتبسيط الإجراءات الحكومية. ورغم أن هذه المبادرة حظيت بتغطية إعلامية واسعة وحققت بعض الوفورات الطفيفة، إلا أن تأثيرها كان أقل بكثير من القدر المطلوب لتحقيق تحسين هيكلي في الميزان المالي. ولا تزال برامج الاستحقاقات الكبيرة، والإنفاق الدفاعي، وتكاليف الفائدة تهيمن على الميزانية، مما يترك مجالاً محدوداً لإجراء تخفيضات اختيارية.
نتيجة لذلك، تشير التقديرات الرسمية ومعظم التوقعات المستقلة إلى أن العجز الفيدرالي سيظل قريباً من 6.2% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2026، ولن ينخفض إلا بشكل طفيف ليبقى فوق 5.5% على المدى المتوسط. وتتماشى هذه النتيجة عموماً مع فكرة صعوبة التوفيق بين المزيد من الضبط المالي القوي وتخفيضات الضرائب والاقتصاد السياسي للإنفاق العام الأمريكي. فالإيرادات الإضافية الناتجة عن زيادة الرسوم الجمركية ضئيلة مقارنة بتلك البنود الأخرى. وبهذا المعنى، من شأن المحور المالي في خطة 3-3-3 أن يظل هو العنصر الذي يشكل التحدي الأكبر في الخطة.
وقد تطور عنصر الطاقة في خطة 3-3-3 بطريقة أكثر دقة وتعقيداً. فبينما لم يتحقق الهدف الرئيسي المتمثل في إضافة 3 ملايين برميل يومياً من إنتاج النفط الخام حتى الآن، استمر إنتاج الطاقة الأمريكي في التوسع بشكل ملحوظ من خلال مزيج أوسع من المصادر.
وقد حدّت عوامل عديدة من إمكانات النمو القوية هذا العام، منها انضباط رأس المال لدى المنتجين، والنضج الجيولوجي في الأحواض الرئيسية، ونقص العمالة، وارتفاع التكاليف. مع ذلك، لا يزال إنتاج الطاقة يشهد زيادة ملحوظة، سواءً من حيث النفط الخام أو من حيث براميل مكافئ النفط يومياً، والتي تشمل إجمالي البترول والسوائل الأخرى.
في الوقت نفسه، ساهم الموقف التنظيمي الأكثر حيادية للإدارة تجاه قطاع النفط والغاز في الحد من حالة عدم اليقين وتشجيع الاستثمار التدريجي، بينما استمرت قدرة الطاقة المتجددة في التوسع بفضل جدواها الاقتصادية وليس الدعم الحكومي وحده. وبالتالي، يتوسع نظام الطاقة الأمريكي ويتنوع، وإن لم يزد اعتماده على النفط الخام بشكل ملحوظ. ويشير هذا المسار إلى أن الهدف الأساسي لمحور الطاقة (زيادة توافر الطاقة وأمنها وتكلفتها المعقولة) يتحقق جزئياً، وإن كان ذلك من خلال التأثيرات المرتبطة بتكوين مصادر الطاقة وليس من خلال زيادة كبيرة في أحجام النفط الخام. وإذا ما تم قياسه من حيث إجمالي سوائل البترول أو حتى الهيدروكربونات الأوسع نطاقاً، بما في ذلك الغاز الطبيعي، فمن المرجح أن يتم تحقيق هذا الهدف.
إجمالاً، وبعد مرور عام على تجربة خطة 3-3-3، يشير أداء الاقتصاد الأمريكي إلى مرونة النمو واستمرار دعمه بالتيسير النقدي والمراحل الأولى لدورة استثمارية مدفوعة بالذكاء الاصطناعي. إلا أن ضبط الأوضاع المالية العامة قد فشل بشكل واضح، بسبب القيود التي تفرضها ديناميكيات الإنفاق الهيكلية والواقع السياسي. أما نتائج قطاع الطاقة، فتقع بين هذين النقيضين، حيث يتم تحقيق التقدم من خلال التنويع، لا عن طريق الزيادة القياسية في إنتاج النفط.
يمكنك أيضاً تنزيل نسخة PDF من التقرير عربي و English