رغم أن العوامل الهيكلية من المرجح أن تحدد مسار الدولار الأمريكي على المدى الأطول، فإن أسعار الصرف تكون مدفوعة في المقام الأول بالقوى الدورية على الآفاق الزمنية الأقصر. وعلى وجه الخصوص، ظلت فروقات أسعار الفائدة تقليدياً العامل الدوري الأهم في تحريك سعر العملة، من خلال تأثيرها على تدفقات رؤوس الأموال العالمية وتوزيع المحافظ الاستثمارية. وفي الآونة الأخيرة، وفرت متانة الاقتصاد الأمريكي والطفرة الاستثمارية المدفوعة بالذكاء الاصطناعي دعماً إضافياً للدولار، من خلال تعزيز الطلب الأجنبي على الأصول المالية الأمريكية. في هذه المقالة، نناقش ثلاثة عوامل لا تزال تدعم قوة الدولار الأمريكي رغم التحديات.
أولاً، تواصل فروقات أسعار الفائدة تقديم الدعم للدولار الأمريكي. وتتأثر أسعار الصرف بقوة بالعائد النسبي الذي يمكن أن يحققه المستثمرون على الأصول المالية في مختلف البلدان، مما يجعل السياسة النقدية دافعاً رئيسياً لتحركات العملات. وعندما ترتفع أسعار الفائدة الأمريكية مقارنة بنظيراتها في الاقتصادات المتقدمة الأخرى، تصبح الأصول المقومة بالدولار أكثر جاذبية، مما يزيد الطلب على العملة. وبالتالي، ارتبطت فترات ارتفاع أسعار الفائدة الأمريكية تاريخياً بقوة الدولار الأمريكي.
وقد عززت التحولات الأخيرة في السياسة النقدية للاحتياطي الفيدرالي الأمريكي دور فروقات أسعار الفائدة في دعم الدولار الأمريكي. ففي بداية العام، كانت الأسواق المالية تتوقع أن يخفض الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة بنحو 50 نقطة أساس خلال عام 2026. غير أن استمرار الضغوط التضخمية، ومتانة النشاط الاقتصادي، وتحول الاحتياطي الفيدرالي نحو موقف يميل أكثر لتشديد السياسة النقدية تحت قيادة رئيسه الجديد كيفن وارش، أدت إلى عملية إعادة تقييم كبيرة لآفاق السياسة النقدية. وتتوقع الأسواق المالية الآن أن تظل أسعار الفائدة الرئيسية مرتفعة لفترة أطول، كما ترجح بدرجة كبيرة احتمال إجراء زيادات إضافية في أسعار الفائدة. نتيجة لذلك، ستبقى أسعار الفائدة الأمريكية أعلى بكثير من مثيلاتها في الاقتصادات المتقدمة الرئيسية الأخرى، حيث يتراوح النطاق المستهدف لسعر الفائدة على الأموال الفيدرالية بين 3.50% و3.75%، مقارنةً بسعر الفائدة على تسهيلات الإيداع لدى البنك المركزي الأوروبي البالغ 2.25% وسعر الفائدة لدى بنك اليابان البالغ 1.00%. ومن المتوقع أن تظل فروق أسعار الفائدة الواسعة هذه مصدراً مهماً لقوة الدولار الأمريكي.
ثانياً، يواصل أداء سوق الأسهم المدفوع بقطاعي الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا تعزيز الطلب الأجنبي على الأصول المالية الأمريكية. وقد أدى التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي إلى موجة استثمارية هائلة في البنية التحتية الرقمية، بما في ذلك أشباه الموصلات ومراكز البيانات والحوسبة السحابية وشبكات الكهرباء. وبصفتها رائدة عالمياً في ابتكارات الذكاء الاصطناعي، استقطبت الولايات المتحدة حصة كبيرة من هذه الاستثمارات، مما عزز قوة أرباح الشركات وأدى إلى استمرار تفوق أداء سوق الأسهم. وقد عززت هذه التطورات جاذبية الأصول المالية الأمريكية، وشجعت تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية، مما وفر مصدراً إضافياً لقوة الدولار الأمريكي.
ثالثاً، لا يزال الاقتصاد الأمريكي يتفوق على الاقتصادات المتقدمة الأخرى في النمو، مما يعزز قيمة الدولار الأمريكي. وبينما تباطأ النمو عن الوتيرة القوية الاستثنائية المسجلة في السنوات الأخيرة، لا تزال مؤشرات النشاط تشير إلى زخم اقتصادي أقوى من الاقتصادات المتقدمة الرئيسية الأخرى. وعلى وجه الخصوص، ظل مؤشر مديري المشتريات المركب الأمريكي أعلى بكثير من عتبة التوسع البالغة 50 نقطة، مما يشير إلى نمو في كل من قطاعي الخدمات والتصنيع، بينما ظل مؤشر مديري المشتريات المركب لمنطقة اليورو قريباً من عتبة الركود أو دونها. وبالإضافة إلى تعزيز الطلب على الأصول المالية الأمريكية، يُسهم ازدهار الاستثمار في الذكاء الاصطناعي في دعم الاقتصاد الحقيقي من خلال الإنفاق الرأسمالي القياسي. ومن المتوقع أن تدعم هذه الاستثمارات، مع مرور الوقت، نمو الإنتاجية وتعزز إمكانات النمو الاقتصادي الأمريكي على المدى البعيد.
بشكل عام، في حين أن التحديات الهيكلية المتزايدة لا تزال تشير إلى انخفاض تدريجي في قيمة الدولار الأمريكي على المدى البعيد، فمن المتوقع أن تظل العوامل الدورية هي المحرك الرئيسي لقيمة الدولار على المدى القريب. ومن المتوقع أن تظل أسعار الفائدة الأمريكية المرتفعة، والطلب الأجنبي المتواصل على الأصول المالية الأمريكية، والتفوق المستمر في أداء الاقتصاد الأمريكي، مصادر قوة مهمة للدولار الأمريكي.
في السنوات الأخيرة، تعرض الدولار الأمريكي لضغوط متزايدة بفعل التحديات الهيكلية، بما في ذلك ارتفاع سعر صرفه الحقيقي عن قيمته العادلة، واستمرار العجز في المالية العامة والميزان التجاري، والتنويع التدريجي للاحتياطيات الدولية من قِبل البنوك المركزية. وقد دفعت هذه العوامل العديد من المحللين إلى التشكيك في قوة الدولار على المدى الطويل. ورغم ذلك، ظل الدولار الأمريكي صامداً أمام معظم العملات الرئيسية. ويعكس هذا الصمود استمرار قوة العوامل الدورية التي ساعدت في موازنة الضغوط الهيكلية الأطول أجلاً.